بقلم: نجاة الودغيري

إلى أين يسير العمل الجمعوي المغربي بالخارج؟ ومن منح بعض الجمعيات حق توزيع شهادات التقدير والتكريم باسم الجالية المغربية، دون معايير واضحة للاستحقاق؟

أسئلة أصبحت تفرض نفسها أمام ما نشاهده في بعض المناسبات الجمعوية ببلجيكا، حيث تُرفع شعارات الوطنية وخدمة الجالية، وتُنظم حفلات التكريم، بينما تظل الإنجازات الفعلية لبعض المكرَّمين مجهولة، وتُثار حول مسارات بعضهم تساؤلات جدية.

والأمر يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق بأشخاص قد تكون لهم سوابق قضائية ثابتة، أو ارتبطت أسماؤهم بممارسات مثيرة للجدل، دون أن تتضح للجمهور طبيعة الإنجازات التي استحقوا عنها التكريم.

لسنا ضد إعادة إدماج من أخطأ في الماضي، ولا ضد منح الإنسان فرصة جديدة. لكن هناك فرقاً كبيراً بين احترام حق الفرد في بداية جديدة، وبين تقديمه نموذجاً يُحتذى به دون توضيح أسباب اختياره.

فهل أصبح التكريم مجرد درع وصورة وتصفيق؟ وأين اختفت معايير العطاء والنزاهة وخدمة الصالح العام؟

حضور الشخصيات السياسية… تشريف أم مسؤولية؟

ما يثير الاستغراب أكثر هو حضور شخصيات سياسية معروفة في بلجيكا، سواء من أصول مغربية أو من المشهد السياسي البلجيكي، إلى جانب مسؤولين أو ممثلين لمؤسسات مغربية في بعض المناسبات الجمعوية.

وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحة:

هل تتحقق هذه الشخصيات من طبيعة الجمعيات التي تستضيفها، ومن معايير اختيار المكرَّمين، قبل أن تمنح هذه المناسبات وزن حضورها وصفتها العمومية؟

صحيح أن حضور مسؤول سياسي لا يعني بالضرورة تزكيته لكل شخص يُكرَّم، لكن الصورة التي تجمع مسؤولاً عمومياً بمكرَّم قد تتحول إلى وسيلة لاكتساب وجاهة اجتماعية، وربما إلى إيهام الآخرين باعتراف مؤسساتي غير موجود.

ولهذا، فإن المسؤولية الأخلاقية تقتضي من الشخصيات السياسية المغربية والبلجيكية توخي الحذر، والاطلاع المسبق على طبيعة الأنشطة التي تشارك فيها، وعدم السماح باستغلال أسمائها أو صفاتها في تلميع صورة أي شخص أو جهة.

فالصفة السياسية ليست زينة تُضاف إلى حفلات التكريم، والمسؤول العمومي ليس مجرد ضيف لالتقاط الصور.

أين أصحاب العطاء الحقيقي؟

في بلجيكا، كما في باقي بلدان الإقامة، توجد كفاءات مغربية وجمعيات جادة ونساء ورجال يقدمون خدمات حقيقية للجالية، ويساهمون في التربية والثقافة والتضامن والعمل الإنساني.

منهم من يشتغل سنوات في صمت، بعيداً عن الكاميرات والمنصات، دون انتظار درع أو شهادة تقدير.

فأين موقع هؤلاء من بعض حفلات التكريم؟ ولماذا لا تكون الإنجازات الملموسة هي المعيار الأول للاختيار؟

إن تكريم شخص لا ينبغي أن يكون نتيجة علاقات شخصية أو تبادل للمجاملات، بل اعترافاً بمساهمة واضحة يمكن تقديمها للرأي العام.

اسم المغرب ليس وسيلة لتلميع الأشخاص

إن رفع العلم المغربي، أو استعمال اسم المملكة المغربية في عنوان نشاط جمعوي، يفرض مسؤولية أخلاقية مضاعفة.

فالمغرب أكبر من أن يُختزل في حفلات بروتوكولية، والجالية المغربية ليست مجرد جمهور يُستدعى للتصفيق.

ومن حق أفرادها أن يسألوا عن المعايير التي تعتمدها الجمعيات، وعن أسباب اختيار الأشخاص الذين يُقدَّمون باعتبارهم نماذج للعطاء والنجاح.

كما أن من حقهم مطالبة الشخصيات السياسية والمسؤولين الحاضرين بالحرص على ألا يُفهم حضورهم باعتباره تزكية تلقائية لهذه الاختيارات.

نحن لا نطالب بمحاكمة ماضي الناس على المنصات، بل نطالب بألا تتحول المنصات إلى وسيلة لمحو الأسئلة المشروعة حول الاستحقاق والمصداقية.

إن العمل الجمعوي رسالة نبيلة، ومن واجبنا حماية سمعته من كل ممارسة قد تحوله إلى فضاء للمظاهر والمصالح الشخصية.

وفي الختام، نوجه ثلاثة أسئلة إلى كل جمعية تنظم حفلاً للتكريم، وإلى كل شخصية سياسية تقبل المشاركة فيه:

من نكرّم؟ ولماذا نكرّمه؟ وبأي صفة أو إنجاز نقدمه نموذجاً للجالية المغربية؟

فالدرع لا يصنع تاريخاً، والصورة مع مسؤول سياسي لا تمنح شهادة في النزاهة، والتصفيق لا يعوض سنوات العطاء.

وإذا كان التكريم اعترافاً بالقيمة، فلا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لصناعة قيمة لم تثبتها الأعمال.