الجالية24/بقلم علي تستاوت

في لييج، كما في مدن أوروبية كثيرة، لم تعد الجالية المغربية مجرد حضور بشري خارج الوطن، بل أصبحت جزءاً من واقع اجتماعي واقتصادي وثقافي تشكل على مدى عقود. وبين المغرب وأوروبا، نشأت أجيال تحمل أكثر من انتماء ثقافي، وأكثر من تجربة، وتملك في كثير من الأحيان معرفة ببيئتين يمكن أن تتحول إلى قيمة حقيقية إذا أحسن توظيفها.

هذه المساحة بين المغرب وأوروبا لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مسافة، بل باعتبارها فرصة. فالجالية لا تحمل معها فقط روابط عائلية ووجدانية، وإنما تحمل أيضاً خبرات مهنية، ومعارف، وتجارب، وعلاقات يمكن أن تساهم في بناء جسور عملية مع المغرب وإفريقيا والعالم العربي.

وقد عبّر جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله ونصره، عن هذه الرؤية بوضوح في خطابه بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب سنة 2022، حين أكد أن المغرب في حاجة إلى جميع أبنائه وإلى الكفاءات الموجودة في الخارج، وأن مساهمتها يمكن أن تتم من بلدان الإقامة ومن خلال مختلف أشكال الشراكة.

هذه الرؤية تفتح الباب أمام مفهوم أوسع للجالية؛ مفهوم لا يحصرها في التحويلات المالية أو في القضايا المرتبطة بالهجرة، وإنما ينظر إليها أيضاً باعتبارها رصيداً من الكفاءات والخبرات. وفي المقابل، فإن قيمة هذه الكفاءات لا تظهر بمجرد وجودها، بل عندما تلتقي بحاجة حقيقية ومشروع واضح وبيئة قادرة على تحويل المعرفة إلى نتائج.

وهنا تبرز أهمية مدن مثل لييج. فوجود كفاءات مغربية في مجالات البناء والبنية التحتية والماء والبيئة والاقتصاد والعلوم وغيرها، إلى جانب ما يعرفه المغرب وإفريقيا من تحولات ومشاريع، يخلق إمكانات واسعة للتعاون بين أوروبا والمغرب وإفريقيا، ضمن فضاء عربي أوسع يقوم على تبادل الخبرة والمعرفة.

ولا يتعلق الأمر بالضرورة بالمناصب أو بالأدوار الرسمية. ففي كثير من الأحيان، تبدأ المساهمة من مكان أبسط: خبرة توضع في خدمة مشروع، تشخيص يساعد على فهم مشكلة، تجربة يمكن تكييفها مع واقع مختلف، أو شبكة علاقات تفتح طريقاً أمام تعاون جديد.

لهذا، فإن التحدي الحقيقي ليس في البحث عن الكفاءات فقط، وإنما في معرفة كيفية الوصول إليها وربطها بالحاجات والمشاريع المناسبة. وعندما يحدث ذلك، تتحول الجالية من مجرد مجتمع يعيش بين ضفتين إلى قوة وصل حقيقية بين الخبرة الأوروبية والطموح المغربي والإفريقي.

من لييج، يمكن النظر إلى هذا الدور باعتباره جزءاً من مستقبل العلاقة بين الجالية ووطنها. فالمغرب الذي ينفتح أكثر على إفريقيا وأوروبا والعالم العربي يحتاج إلى أبنائه حيثما كانوا، كما أن أبناءه في الخارج يحتاجون إلى قنوات تجعل خبرتهم قابلة للمساهمة عندما تكون هناك حاجة إليها.

وفي النهاية، لا تقاس قيمة الجالية فقط بعدد أفرادها، ولا بحجم ما ترسله إلى الوطن، بل أيضاً بما تستطيع أن تنقله من معرفة وتجربة وثقة. فبين الواقع الذي نعيشه في أوروبا والطموح الذي يحمله المغرب وإفريقيا، توجد مساحة واسعة يمكن أن تتحول إلى مشاريع وحلول وقيمة مضافة.

وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق للجسر الذي يمكن أن تبنيه الجالية: أن يصل بين الإنسان والكفاءة، وبين الكفاءة والحاجة، وبين الفكرة والمشروع.

علي تستاوت
خبير في الهندسة المدنية والبناء، باحث في التنمية المستدامة، مسؤول البنية التحتية والسلامة والصحة والرفاه في الصليب الأحمر البلجيكي، مدير مكتب للدراسات والابحاث والاستشارات بالمغرب، ومستشار استراتيجي وتنموي، ومستشار استراتيجي في عدد من المؤسسات الجمعوية ببلجيكا.