الجالية24/بدرالدين أبعير
مع حلول شهر رمضان هذا اليوم الأربعاء، وجدت شريحة واسعة من الجالية المسلمة في هولندا نفسها وسط حالة غير مسبوقة من الارتباك بسبب تضارب البلاغات حول بداية الصيام. هذا التضارب لم يبق مجرد اختلاف فقهي عابر، بل تحول إلى نقاش اجتماعي حاد خلق توترًا واضحًا بين الناس، حيث قررت فئة الصيام يوم الأربعاء، وأخرى يوم الخميس، بل وامتد الأمر في بعض الحالات إلى حديث عن الجمعة. وهكذا، بدل أن يكون رمضان لحظة جامعة، أصبح مدخلًا لانقسام أضعف شعور الوحدة داخل الجالية.
المشكل هنا لا يمكن اختزاله في اختلاف تقليدي حول رؤية الهلال أو الحسابات الفلكية، فهذه مسائل عرفها المسلمون عبر التاريخ. الجديد والخطير هو طريقة تدبير هذا الاختلاف. كثرة البلاغات المتضاربة، وغياب تنسيق واضح بين الجهات المسؤولة، وضع عامة الناس في (فتنة) وحيرة حقيقية، أي إعلان يُعتمد؟ ومن يملك الشرعية الدينية أو التنظيمية؟ هذه الفوضى التواصلية زرعت الشك وأعطت انطباعًا بأن المؤسسات التي يفترض أن تؤطر الشأن الديني عاجزة عن إدارة لحظة حساسة تتكرر كل سنة.
النقد هنا يصبح ضروريًا، خصوصًا تجاه بعض اتحادات المساجد والجمعيات المشرفة على تسيير المساجد. فبدل لعب دور توحيدي، بدا وكأن كل جهة تتحرك بشكل منفرد، أحيانًا بدافع إثبات الحضور أو الحفاظ على النفوذ. هذا السلوك لا يمكن فصله عن بعد اجتماعي وتنظيمي أعمق، حيث تتحول قضايا دينية جامعة إلى ساحة تنافس بين مؤسسات، يدفع ثمنه المصلون البسطاء الذين يبحثون فقط عن وضوح واستقرار.
ومن أكثر الصور تعبيرًا عن هذا الخلل، وجود مساجد متقاربة جدًا جغرافيًا تعلن بدايات مختلفة للصيام. في نفس الحي تقريبًا، يمكن لعائلة أن ترى جيرانها يصومون بينما هي تنتظر يومًا آخر، فقط لأن كل مسجد يتبع مرجعية مختلفة. هذا الوضع لا يخلق الحيرة فحسب، بل يؤثر اجتماعيًا على العلاقات اليومية، وعلى إحساس الأطفال والشباب بالانتماء الجماعي، ويغذي شعورًا بأن المؤسسات الدينية بعيدة عن واقع الناس واحتياجاتهم.
يزداد الأمر تعقيدًا حين نضعه في سياق التبعية المستمرة لمرجعيات خارجية. فعدد من المؤسسات ما زال يربط قراراته بإعلانات صادرة من دول أخرى، دون مراعاة كافية للخصوصية المحلية للجالية المسلمة في أوروبا. هذه التبعية، مهما كانت مبرراتها، تساهم في تكريس الانقسام بدل بناء استقلالية تنظيمية قادرة على توحيد الصف. والأسوأ أن هذا الملف أحيانًا يُستعمل في إطار تجاذبات غير معلنة، حيث يتداخل الديني مع الاعتباري والمؤسساتي، في صورة أقرب إلى “تسييس” غير مباشر لشعيرة يفترض أن تكون جامعة.
من الزاوية الاجتماعية، هذا المشهد يعكس أزمة ثقة بين جزء من الجالية والمؤسسات المؤطرة لها. حين يرى الناس أن كل سنة تحمل نفس الجدل ونفس الفوضى، يتولد شعور بأن المشكل لم يعد تقنيًا أو فقهيًا، بل مرتبط بطريقة إدارة الشأن الديني، وبغياب رؤية جماعية ناضجة. الجالية اليوم في حاجة إلى خطاب مسؤول، وإلى آليات تنسيق شفافة، تُشرك المختصين وتضع مصلحة الناس فوق الحسابات الضيقة.
ورغم حدة هذا النقد، فالمقصود ليس التشكيك في النوايا، بل التنبيه إلى أن استمرار هذا الوضع يهدد التماسك الاجتماعي أكثر مما يخدم أي اعتبار آخر. رمضان في جوهره مناسبة للوحدة والتكافل، وأي إدارة مرتبكة له تنعكس مباشرة على النسيج الاجتماعي للجالية.
في النهاية، سواء صام الناس في أيام مختلفة أم اتفقوا، تبقى الرسالة الأهم أن وحدة المجتمع لا تُبنى فقط بالشعارات، بل بحسن التنظيم، ووضوح التواصل، وتغليب المصلحة العامة. تحويل هذا الجدل إلى فرصة للمراجعة والإصلاح هو التحدي الحقيقي، حتى لا تتكرر نفس الفتنة كل عام، ويظل رمضان سبة جامعة لاتفرق