في الوقت الذي يفترض فيه أن تلتزم بعض المنابر الإعلامية بالدقة والتحري قبل نشر الأخبار، طالعنا مقال يتناول وضع القنصلية العامة للمملكة المغربية بمدينة لييج، متضمناً مجموعة من الادعاءات التي تفتقر إلى الموضوعية وتعتمد على قراءة مجتزأة للأحداث، بل وتُضخّمها بشكل لا يعكس الواقع الفعلي.
أول ما ينبغي توضيحه، هو أن إغلاق القنصلية يوم عيد الفطر يندرج في إطار العطل الرسمية المعمول بها، وهو إجراء إداري عادي يشمل مختلف المصالح والمؤسسات، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره “سوء تدبير” أو تقصيراً في أداء الواجب. بل على عكس ما تم ترويجه من مغالطات فإن القنصلية المغربية بلييج وعلى غرار نضيراتها في بلجيكا وأوروبا بصفة عامة، انطلقت مصالحها في العمل بصفة عادية وبالإثبات في العمل يوم الاثنين(الصورة أسفله،إتصال بأحد الموضفين) ،ولهذا فما تم الترويج له بخصوص توافد المواطنين يوم الاثنين واصطدامهم بأبواب مغلقة، فهو طرح يفتقر إلى التوازن.
وفيما يتعلق بمحاولة ربط الوضع الحالي بمغادرة القنصل السابق، فإن هذا الطرح يدخل في إطار التأويل غير الموضوعي، بل ويعكس نزعة إلى شخصنة المرفق الإداري، في حين أن عمل القنصليات يقوم على استمرارية المؤسسات وليس على الأفراد. وعليه، فإن الإشادة بشخص سابق لا ينبغي أن تتحول إلى أداة للتقليل من مجهودات الطاقم الحالي.
وفي مقابل هذا التمجيد المبالغ فيه لفترة القنصل السابق، عبد القادر عابدين، يتغافل كاتب المقال عن معطيات مقلقة تم تداولها داخل أوساط الجالية، وعلى رأسها ما يرتبط بإنجاز شرفة خارجية داخل القنصلية بكلفة قيل إنها تجاوزت 100 ألف يورو، في حين أن التقديرات المتداولة تشير إلى أن القيمة الحقيقية لمثل هذه الأشغال لا تتعدى في أحسن الأحوال 20 ألف يورو. هذا الفارق الكبير يطرح علامات استفهام مشروعة حول كيفية تدبير هذه العملية.
الأكثر إثارة للانتباه، أن الشركة التي أُنجزت من خلالها هذه الأشغال يكتنفها الغموض، حيث يُتداول أن عنوانها غير واضح، وأنها لا تتوصل بالمراسلات المسجلة أو المستعجلة، وهو ما يفتح باب التساؤل حول طبيعة العلاقة التي كانت تربطها بتدبير بعض الخدمات داخل القنصلية. فهل يتعلق الأمر بسوء تدبير فقط، أم أن هناك اختلالات أعمق تستوجب التوضيح؟ هذا سؤال مشروع ينتظر إجابة واضحة من الجهات المعنية ، بدل الاستمرار في تقديم صورة مثالية لا تعكس كل جوانب الواقع.
وإذا كان من الضروري العودة إلى التفاصيل، فإن ما تم تداوله بخصوص ملف الشرفة الخارجية لا يمكن فصله عن تساؤلات أخرى أُثيرت حول تدبير بعض النفقات داخل القنصلية خلال نفس الفترة. فقد تم الحديث عن فواتير خدمات، من بينها اشتراكات هاتفية لدى شركة Proximus، يُقال إنها شملت 20 عقدة من الخطوط المتنقلة يفوق بكثير الحاجيات الإدارية العادية، وهو ما يطرح تساؤلات حول معايير ضبط هذه المصاريف. كما طُرحت ملاحظات بخصوص تكاليف صيانة بعض المرافق، من قبيل المصعد، إضافة إلى مصاريف مرتبطة باستعمال سيارة القنصل، وكلها نقاط تستدعي توضيحات دقيقة لضمان الشفافية وحسن تدبير المال العام.
فجمع هذه العناصر، إلى جانب ما أُثير حول صفقة الشرفة، يعزز الحاجة إلى قراءة شاملة ومتوازنة لتلك المرحلة، بعيداً عن الانتقاء أو التقديم الأحادي، ويفتح الباب أمام تساؤل مشروع: هل تم احترام قواعد الحكامة الجيدة في تدبير هذه الملفات؟ أم أن الأمر يستوجب افتحاصاً وتوضيحاً للرأي العام؟
إن السيدة القنصل نجاح ديمو، إلى جانب كافة أطر وموظفي القنصلية، تواصل أداء مهامها في إطار من المسؤولية والالتزام، مع الحرص على تحسين جودة الخدمات المقدمة لأفراد الجالية، رغم التحديات المرتبطة بكثافة الطلب وتنوع الملفات.
ومنذ توليها مهامها على رأس القنصلية، باشرت السيدة ديمو تنفيذ مجموعة من الإجراءات الإصلاحية الهادفة إلى الحد من ظاهرة السمسرة في المواعيد، من أبرزها اعتماد نظام المواعيد المباشرة (RDV Direct) التي تشرف عليها شخصياً، إلى جانب منح تسهيلات مرتبطة بحالات وفاة الأقارب. كما حرصت على تأكيد جميع المواعيد، سواء كتابياً أو هاتفياً، خاصة في حال عدم اكتمال الوثائق المطلوبة، فضلاً عن تبني مقاربة تنظيمية تقوم على مبدأ “صفر موعد متبقٍ” قبل مغادرة الموظفين لمقر القنصلية، في خطوة تهدف إلى تحسين النجاعة وضمان استمرارية الخدمة
من هنا، فإن ما ورد في المقال المذكور لا يعدو أن يكون قراءة أحادية الجانب، تفتقر إلى المعطيات الدقيقة، وتسعى إلى تضخيم واقعة عادية وإخراجها من سياقها الطبيعي، وهو ما لا يخدم مصلحة الجالية ولا يعكس الجهود المبذولة داخل هذا المرفق الحيوي.
وفي الختام، يبقى من الضروري التأكيد على أن النقد البناء مرحب به، بل ومطلوب، لكن شريطة أن يستند إلى معطيات دقيقة ورؤية متوازنة، بعيداً عن التهويل أو توظيف الوقائع بشكل انتقائي.
