الجالية24/بدرالدين أبعير
يحلّ شهر رمضان من كل عام حاملاً معه أجواءً روحانية خاصة في هولندا، حيث تعيش الجاليات المسلمة — وعلى رأسها الجالية المغربية — إيقاعًا مختلفًا يمتزج فيه الحنين للوطن بروح الانتماء للمجتمع المحلي. ورغم ما يشهده الشهر من تراجع نسبي في بعض الأنشطة الاجتماعية والخيرية المنظمة مقارنة بسنوات سابقة، فإن مظاهر التدين والتآزر المجتمعي تظل بارزة بقوة، لتعيد رسم ملامح الحياة اليومية للمسلمين خلال هذه الفترة المباركة.
في السنوات الأخيرة، لاحظ متابعون للشأن المجتمعي أن بعض الفعاليات الكبرى — مثل المهرجانات الرمضانية المفتوحة أو الأنشطة الخيرية واسعة النطاق — أصبحت أقل حضورًا. ويرجع ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها التحديات الاقتصادية، وضغوط العمل، وتغير أنماط الحياة داخل المجتمعات المهاجرة. ومع ذلك، لا يعني هذا التراجع اختفاء روح العمل الجماعي، بل تحوّلها إلى مبادرات أصغر وأكثر محلية، تُدار داخل الأحياء والمساجد وبين العائلات.
المساجد… قلب الحياة الرمضاني
في المقابل، يشهد الإقبال على المساجد ارتفاعًا ملحوظًا خلال رمضان. تتحول هذه الفضاءات إلى مراكز نابضة بالحياة، لا تقتصر على أداء الصلوات فحسب، بل تحتضن دروسًا دينية، وموائد إفطار جماعي، وأنشطة تربوية للأطفال والشباب. ويبرز حضور العائلات المغربية بشكل لافت، حيث تُنقل التقاليد الرمضانية — من الأطباق إلى العادات — إلى الأجيال الجديدة، مما يعزز الهوية الثقافية والدينية في آن واحد.
كما تتجلى روح التآزر بين أفراد الجالية في مبادرات تلقائية: تبادل الأطعمة، مساعدة الأسر المحتاجة، وتنظيم الإفطارات المشتركة. هذه الممارسات، وإن بدت بسيطة، تعكس عمق التضامن الاجتماعي الذي يميز الشهر الفضيل، وتمنح شعورًا بالدفء والانتماء، خصوصًا للمغتربين.
الصدقات… موسم السخاء والعمل الجماعي
ويشكل رمضان أيضًا فرصة ذهبية للجان تسيير المساجد لجمع التبرعات والصدقات. فمع ارتفاع منسوب التدين والشعور بالمسؤولية الاجتماعية، يُبدي المسلمون سخاءً ملحوظًا في دعم مشاريع المساجد والأنشطة الخيرية. تُوجَّه هذه التبرعات إلى صيانة المرافق، وتمويل البرامج التعليمية، ومساعدة الأسر ذات الدخل المحدود.
هذا الزخم المالي لا يُنظر إليه فقط كحاجة تنظيمية، بل كجزء من الثقافة الرمضانية القائمة على العطاء. إذ يشعر الكثيرون بأن مساهمتهم، مهما كانت بسيطة، هي استثمار روحي واجتماعي يعزز استمرارية المؤسسات الدينية ودورها في خدمة المجتمع
توازن بين التحديات والروح الرمضانية
في النهاية، تعكس أجواء رمضان في هولندا صورة مجتمع يتكيف مع التحولات دون أن يفقد جوهره. صحيح أن بعض الأنشطة الاجتماعية والخيرية تراجعت، لكن روح التآزر، والالتفاف حول المساجد، وسخاء المتبرعين، كلها عناصر تؤكد أن الشهر الكريم ما يزال مناسبة لإحياء القيم المشتركة وتعزيز الروابط داخل الجاليات المسلمة — خاصة المغربية — في بيئة متعددة الثقافات.
رمضان هنا ليس مجرد فترة صيام، بل مساحة لإعادة بناء الجسور بين الأفراد، وتجديد الإحساس بالهوية، وترسيخ قيم التضامن التي تتجاوز الحدود الجغرافية.