قال الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، عبد الله بوصوف إن العيش المشترك هو المفتاح الأساسي للأزمة التي تعيشها المجتمعات الراهنة التي تعرف تصادمات هوياتية وصعود التيارات المنغلقة الرافضة للآخر بالرغم من أن العالم أصبح معولما ومنفتخا للجميع.

 

واعتبر بوصوف في مداخلة له بإفران يوم الجمعة 22 دجنبر 2017 في إطار الجامعة الشتوية المنظمة من طرف الوزارة المنتدبة لدى وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة بشراكة مع كتابة الدولة المكلفة بالتعليم العالي و البحث العلمي و جامعة الأخوين، أن تعريف العيش المشترك الذي تتمحور حوله هذه الجامعة الشتوية يلخص في مبدأ الالتقاء والعطاء المتبادل لمكونين أو أكثر في إطار واحد مع كل ما يوفر ذلك من ثراء مشترك للثقافات والاشتراك فيما بينها من اجل الدفع بالمجتنعات إلى الأمام.

 

أهمية التاريخ والثقافة في افتاح الإنسان المغربي:

 

في ظل بسطه للعناصر المشكلة للهوية المغربية المنفتحة سلط الدكتور بوصوف الضوء على جوانب من تاريخ المغرب وثقافته المتنوعة، وقال بوصوف في هذاالسياق إن الجغرافيا حكمت على المغرب أن لا يكون منغلقا بحكم موقعه الجغرافي الاستراتيجي الذي يفرض عليه التعامل مع الجميع، مما يجعل من أرض المغرب أرض التقاء وتحاور لمجموعات بشرية تنتمي لحضارات وثقافتت مختافة، الأمر الذي جعله في تفاعل دائم مع مختلف العوالم في مختلف الازمنة.

 

وقدم بوصوف مجموعة من الشخصيات المغربية الملهمة التي بصمت تاريخ البشرية من بينها ابن بطوطة الذي نقل إلى العالم معارف عن الصين والهند وإفريقيا وعوالم أخرى انطلاقا من رحلته من طنجة، والشريف الإدريسي أول من رسم خارطة للعالم في بلاط ملوك النورمان في سيسيليا ولم يتساءل عن البلد الذي هو متواجد فيه، « وهي نماذج تظهر أن الإنسان المغربي يحمل في جيناته قبول الآخر وليست له أدنى إشكالية في العيش مع الثقافات الأخرى » يضيف.

 

IMG 7989

ولن تفت بوصوف خلال هذه المداخلة التركيز على التنوع الثقافي والديني الذي يزخر به المغرب منذ قرون، والذي يجسده دستور المملكة من خلال التنصيص على تعدد الروافد المشكلة للهوية المغربية، معتبرا أن هذا التنصيص الدستوري ليس تنميقا للكلمات .

 

وإنما هو واقع وانعكاس للتاريخ، ومستدلا في نفس الوقت على حرص المملكة على المحافظة على هذا التعدد من خلال الخطابات الملكية التي تؤكد بأن قوة المغرب في تعدده وتنوعه في إطار الوحدة الوطنية.

 

 

وقال بوصوف فيهذا السياق إن مظاهر هذه القوة تكمن أيضا في احترام حرية المعتقد سواء على مستوى الدولة أو في عمق المجتمع المغربي الذي احتضن بشكل إيجابي كافة مكوناته، مؤكدا أنه مهما كان الانتماء الاثني فإن المواطنة المغربية تجمع الجميع، « فعلى سبيل المثال الطائفة اليهودية تتمتع بحقوق المواطنة كاملة وكان لها إسهام تاريخي في استقلال المغرب والدفاع عن ثوابثه وكان عناصرها أدوات انفتاح للمغرب على العالم من خلال رحلاتهم التجارية ».

 

من العيش المشترك إلى الأخوة الإنسانية:

 

بالنسبة للأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج فإن المغرب تجاوز مبدأ العيش المشترك إلى التداخل والامتزاج الكلي بين جميع مكونات مجتمعه وطوائفه، « وهو ما جعله يبلور مبدأ الأخوة الإنسانية، وهو مكسب علينا الحرص عليه » يقول بوصوف أمام جمع من الطلبة المغاربة في الخارج، داعيا الشباب الحاضر إلى نقل هذه الروح الانسانية إلى مجتمعات الإقامة وتمريرها الى الشباب عبر العالم حيث الصراعات الهوياتية ورفض التعايش، بهدف إعطاء صورة مشرقة عن كون الإنسان المغربي عنصر امن واستقرار وخير للمجتمع الذي يعيش فيه، لان مرجعيتنا الهوياتية ليس لديها اي اشكال في العيش مع الأخر؛ ونوه في الأن ذاته بمبادرة الوزارة بتنظيم هذه الجامعة الشتوية.

 

IMG 7985

كما شدد عبد الله بوصوف على أهمية المكون الديني في تشكل الهوية المغربية المنفتة والمرجعية المتسامحة، بفضل التصوف الذي اعتبره بمثابة المنطقة العازلة التي يلتقي فيها الناس من جميع العقائد على اشياء روحية تحقق التعارف والاحترام، ليعود الجميع إلى خصوصياته الدينية أكثر احتراما للأخر؛ كما أن المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية يعتبران من السمات الأساسية في النموذج المغربي وقوتهما تكمن في استيعاب اللاختلاف وعدم تكفيره أو رميه بأحكام قيمية، وكلها سمات جسدها المغاربة حتى المدن الذين يعيشون فيها والتي يوفر مجالها فضاءات للالتقاء وأيضا لاحترام الخصوصيات.

 

ولم تفت الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج الإشارة إلى الأهمية التي لعبتها المرأة على امتداد التاريخ في بناء المغرب ونمائه، مبزرا بأن تاريخ المغرب يبقى غير مفهوم إن لم نقرأه بصيغة المؤنث، واستدل على ذلك بالدور  التاريخي الأساسي الذي قامت به إحدى هؤلاء السيدات وهي فاطمة الفهرية في إرساء دعائم مغرب من خلال تأسيس جامعة القرويين  التي أعطت علماء ورجال دولة ساهموا في الاستقرار الروحي والسياسي الذي يعرفه المغرب إلى اليوم.